رئيس المؤتمر الإسلامي الإرتري يقدم ورقة في مؤتمر منظمة الأمة بتركيا

 قدم الشيخ حسن سلمان رئيس المؤتمر الإسلامي الإرتري لدى مشاركته في المؤتمر الذي عقد في أسطنبول بتركيا في المفترة من 25-2013/01/26تحت رعاية منظمة الأمة للتعاون العربي التركي  ورقة بعنوان ( رؤية تقييمية لأداء الإسلاميين في الثورة العربية) ولكي تعم الفائدة يسرنا في موقع المسار بنشر الورقة كاملة.المحرر

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

رؤية تقييمية

لأداء الإسلاميين في الثوة العربية

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده 

بداية يجدر بنا أن نفتتح موضوعنا بالقول إن التقييم الشامل لأداء الإسلاميين في كافة دول الربيع العربي مسألة من الصعوبة بمكان ، وخاصة لشخص مراقب لم يعش الحدث بنفسه في أي من دول الثورات المعنية ، كما أن إختلاف الطبيعة الثورية من بلد ينتهج ثورة سلمية محضة إلى بلد آخر ينتهج ثورة اختلط فيها السلم بالحرب ، أو طغت لغة السلاح على ما سواها ، بجانب تباين الأدوار الدولية والإقليمية تجاه كل ثورة يجعل تناول التقييم أكثر صعوبة .

ولما كان الأمر كذلك فسيكون التركيز أكثر على مصر وتونس لأنهما يشكلان بداية الثورة ، ويعبران إلى حد كبير عن صورة الأداء الإسلامي ، مع ملاحظة أنهما لا يعبران مثلاً عن البلدان ذات الطابع المسلح ونوعية الأداء هناك .

كما ننبه إلى أن مجالات التقييم تختلف من حيث موضوعاتها ومراحلها ، فهناك الأداء السياسي والإعلامي والقتالي والدبلوماسي بجانب طبيعة الخطاب الفكري والسياسي ونوعيته ومدى ملاءمته ومواكبته وأصالته ، وأما عن المراحل فهناك مرحلة إندلاع الثورة حتى لحظة سقوط النظام ، وهناك مرحلة ما بعد سقوط النظام ، وقد تتداخل المراحل ، وقد يكون الأداء ممتازاً في مرحلة دون أخرى ، وهكذا نجد أنفسنا في مساحة غير محدودة من الناحية الموضوعية والزمانية ، ولذا ستركزالورقة في الأداء السياسي وشيء من الخلفيات الفكرية لهذا الأداء ، ولن نخوض في المجالات الأخرى طلباً للتركيز وحرصاً على عدم الإطالة .

وأخيراً أشير إلى أن المقصود بالإسلاميين كافة الاتجاهات التي ترى أن الإسلام هو منهاج حياة وتنادي بالعودة إليه وضرورة تطبيقه ، بغض النظر عن فهم كل طرف لكيفية تنزيل الإسلام على الواقع ، ومدى جدية وفاعلية كل طرف من الأطراف .

واقع الأمة قبل الثورات :

استمرت الخلافة الإسلامية ثلاثة عشر قرناً من الزمان تجتمع تحت رايتها أمة الإسلام في إطار نظام سياسي موحد ، حيث بدأت خلافة راشدة وتعاقبت عليها بعد ذلك الدول والممالك ، ولكن سادت بلاد المسلمين في بدايات القرن العشرين أوضاعاً شاذة لم يكن لها شبيه طيلة القرون السابقة ، وذلك على النحو التالي:

1.      إلغاء الخلافة الإسلامية نهائياً ومنع استردادها وتجريم ومعاقبة من يدعو إليها .

2.      تقسيم أمة الإسلام إلى أقاليم جغرافية متعددة ، ونشوء ما يعرف بالدولة القطرية، وسيطرة العدو الكافر على معظم هذه الأقاليم ، وإقامة حكومات تابعة وموالية للعدو.

3.      تنحية الشريعة عن الحاكمية في الحياة واستبدالها بنظم وقوانين وضعية .

4.      تغيير مناهج التربية والتعليم لتتوافق مع المفهوم الغربي للحياة ، وتعادي العقيدة والنهج الإسلامي وتشكل عقلية الأجيال الجديدة على هذا النحو.

5.       تحويل مقدرات المسلمين وأموالهم وثرواتهم للمستعمر الكافر بأبخس الأثمان ، بل ونهبها في كثير من الأحيان .

6.      تشكيل نظام اقتصادي يقوم على غير النهج الإسلامي ، إما نظام رأسمالى يبيح الربا والامتيازات ، ويسيء توزيع الثروة ويقسم الناس إلى طبقات متفاوتة ، وإما نظام شيوعي اشتراكي ، يهدر الطاقات ويهدم الحافز ويقتل كل إبداع ، ويحرم الفرد من أهم حرياته وغاية وجوده .

وبناءً على ذلك نشأت ازدواجية كاملة في الحياة ، حيث نجد تعليما دينيا ولا ديني ، وقضاء شرعيا وقضاء وضعيا ، ومجموعة مطالبة بالشريعة وأخرى رافضة لها ، ونجد تخبطا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتربويا لا مثيل له ، وغيابا للتجانس والتقارب . وإزاء هذا الواقع المرير تباينت وجهات النظر بين الإسلاميين العاملين لاستعادة الخلافة بعد سقوطها في كيفية العمل السياسي ومناهج التغيير ، وفي مدى التوصيف الشرعي لهذه الحكومات القطرية القائمة ، ومدى إمكانية المشاركة معها أو مقاطعتها ومتاركتها ، ويمكننا إجمال التوجهات الإسلامية التي نشأت لاستعادة الأمة لدورها الريادي وإصلاح ما فسد من مجالات الحياة المختلفة في ثلاثة اتجاهات أساسية قابلة للتفريع وهي :

1-   الاتجاه الدعوي والعلمي الذي نأى بنفسه عن المزاحمة والمدافعة السياسية ، وهذا الإتجاه سجل حضوراً شعبياً في الساحة إلا أنه لم يمتلك رؤية سياسية لإصلاح الحياة العامة ، بل ربما كان لهذا الاتجاه موقفا سلبيا في كثير من محطات المدافعة والمقاومة للنظم الاستبدادية ، وربما استفادت منه الأنظمة أحياناُ في صراعها مع القوى الأخرى التى تشكل تحدياً لنظم الاستبداد ، وخاصة قد نحى هذه الإتجاه منحى تبريرياً للواقع السياسي ، أو أضفى نوعاً من الشرعية الدينية على السلطة السياسية القائمة ، وجرم كافة أشكال الخروج عليها ، وبالتالي ما كان لهذا الاتجاه أن يحقق كسباً سياسياً إصلاحياً أو تغييرياً ، بل رضي بما هو فيه من دعوة وتربية وتعليم ، ورأى أن في ذلك السلامة من الفتن – حسب رأيه – .

2-   الاتجاه الذي سلك المسلك السياسي في الإصلاح والتغيير مطالبة ومغالبة في إطار العمل السلمي (مشاركة أو متاركة) بحسب الأحوال والبلدان وبالفعل شكل هذا الاتجاه حضوراً  من الناحية السياسية ، إلا أنه لم يكن مسموحاً له بالسقوف العالية ، والوصول إلى أهدافه ، بل كان محاصراً إقليمياً ودولياً ، وكان السماح له في كل مرة بحسب الحاجة إليه في التنفيس السياسي ، وتحسين صورة النظام ، واكتشاف حجمه وإمكاناته وقدراته ، ثم احتوائه أو إقصائه في أي وقت ، وكانت نهاية هذا الاتجاه هو الرضا بالقليل والإبقاء على وجوده السياسي والتنظيمي ، والتعامل ضمن دوائر الممكن والمسموح به ، والابتعاد تماماً عن دوائر الخطر في اللعبة السياسية ، ولم يكن يخطر ببال هذا الاتجاه الثورة على النظم قريباً وبالصورة التي فاجأت الجميع .

3-   الاتجاه الجهادي والذي رأى عدم جدوى وفاعلية العمل السلمي بكل أنواعه ، وآثر العمل المسلح على قضية البناء والتكوين السياسي داخل المجتمع ، وبالتالي انشغل بالمواجهة المسلحة مع النظم السياسية دون وجود الحاضنة الشعبية المساندة ، ودون النظر إلى الاعتبارات الذاتية والموضوعية لمدى فاعلية هذا المسار وإمكانيته في تحقيق الأهداف الكبرى للأمة ، فكانت المآلات في كثير من التجارب هو الإخفاق في تحقيق النصر في الصعد الداخلية مع وجود بعض الإنجازات في مواجهة العدوان الخارجي على الأمة ، ولم تكن الشعوب تعول كثيراً على هذا الاتجاه في تحقيق الإصلاح والتغييرالسياسي الداخلي ، وخاصة في الآونة الأخيرة والتي برزت فيها الكتابات الموسومة بالمراجعات هنا وهناك .

وإزاء هذا الوجود للتيارات الإسلامية كانت هناك عدد من التيارات السياسية التي رفضت الواقع السياسي الفاسد والمستبد ولكن من منطلقات أخرى قومية أو ليبرالية أو يسارية أو وطنية ، وقد نشطت هذه التيارات في الآونة الأخيرة في عدد من البلدان حتى صارت أكثر وضوحاً وجدية في المواجهة مع النظم السياسية القائمة مما جعلها تواجه الكثير من التحديات والمخاطر ، وقد ظلت تلاحق هذا الاتجاه مشكلة الارتباط بالأجنبي والاستقواء بالخارج .

وخلاصة القول أن النظم السياسية في تعاملها مع المعارضين لها لم تكن لتخرج عن الاحتواء والتحجيم أو الاستئصال ، وذلك بحسب طبيعة كل نظام سياسي ، مما جعل المشهد العربي يتسم بالانسداد في الأفق السياسي واليأس من أي عملية إصلاح أو تغيير تتم من داخل النظم السياسية القائمة .

 

محركات الثورة :

يصعب ضبط مفهوم الثورة وذلك لاختلاف المنظومات الفكرية والمرجعيات الفلسفية وتنوعها ، ومع ذلك فهناك نقطة مركزية يلتقي عندها الكل وهي أن الثورة : ( تغيير مفاجئ سريع بعيد الأثر في الكيان الإجتماعي ، ذلك التغيير الذي من شأنه أن يحطم استمرارية الأحوال الراهنة في المجتمع ) فلسفة الثورات العربية – سلمان بو نعمان ص-21

وتعرفها موسوعة علم الاجتماع بأنها :( التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع ، التي تعمل على تحويل المجتمع ظاهرياً وجوهرياً من نمط سائد إلى نمط جديد يتوافق مع مبادئ وقيم وأيدولوجية وأهداف الثورة ، وقد تكون الثورة عنيفة دموية ، كما قد تكون سلمية ، وتكون فجائية سريعة أو بطيئة تدريجية ) ص 217 – إحسان محمد الحسن نقلاً عن فلسفة الثورات ص-17

وعليه فالثورة هي تغيير شامل ومفاجئ لمنظومة المجتمع السياسية والاجتماعية والفكرية والنفسية وإعادة لهيكلة المجتمع من جديد - سلطة وثروة - ، وهي غالباً ما تتسم بالتراكمية النضالية والخصوصية الزمانية والمكانية والمجتمعية .

 

ويبقى السؤال الآن حول ماهية محركات الثورة العربية ؟

لست مع القائلين بنظرية المؤامرة في تحريك الثورات العربية لأن محركات الثورة كانت موجودة منذ عقود خلت ، حيث الفقر والاستبداد والفساد والتبعية بلغت مدى لا يطاق لدى الشعوب الثائرة ، بل كانت الغرابة لماذا تستكين هذه الشعوب ولا تقاوم ؟ ولقد كان العامل الخارجي في الثورات العربية منفعلاً بالحدث وليس فاعلاً فيه ، ومرتبكاً في طريقة التعامل في أغلب الأحوال ، وبالتالي تستبعد الورقة نظرية التآمر ابتداءً كمحرك أساس ورئيس في الثورة العربية ، وفي الوقت ذاته لا يمكن لطرف سياسي داخلي الزعم بأنه وحده المحرك للثورة وبالتالي يكون صاحب الحظوة في مآلات الثورة ومكاسبها ، فقد كانت الثورات العربية حراكا شعبيا بامتياز ساهمت فيه كافة القوى المجتمعية للتخلص من الواقع المأساوي والتطلع للمستقبل بشعارات واضحة ( عيش - حرية – كرامة – عدالة ) .

وجماهيرية الثورات فوتت على النظم السياسية محاولاتها لتصوير الثورة بأنها تحرك للإسلاميين ، هذه الفزاعة التي ظلت تلوح بها الأنظمة كلما أحست بهبة شعبية محاولة كسب ود الغرب وتعاطفه، ولكن التدين الشعبي ـ إن صح التعبير- ظل سيد الموقف في كل بلدان الربيع العربي ، حتى وإن توارى عن الواجهة العمل الإسلامي المسيَّس لاعتبارات موضوعية ، فقد رأينا كيف أن الشوارع كانت تمتلئ بالمصلين في كل صلاة في ميادين التحريروالتغيير وساحات المنازلة المسلحة ، وترفع أكف الضراعة والدعاء لرب العالمين بزوال الطاغية وحكمه.

وبالرغم من تأكيدنا على جماهيرية الثورة وشعبيتها  إلا أن رمي القوة المنظمة بكل ثقلها في نهاية المطاف كان من العوامل المهمة جداً في نجاح الثورة وبلوغها منتهاها بسقوط أنظمة القمع .

 

مواقف الإسلاميين من الثورات بداية  :

كما تقدم فإن الثورات فاجأت الجميع (الأنظمة والمعارضة بما فيها الاسلاميين والغرب ) , فلا أحد خطط لها مسبقاً , وحين تحرك الشعب في الشوارع ابتداءً  ( في تونس ومصر ) لم يكن منتمياً لأي تيار سياسي ، بل إن جميع الأحزاب وفي مقدمتها التيارات الإسلامية واليسارية لم تشارك في الثورة في بدايتها ، إنما التحقت بها بعد أن تحولت الثورة في البلدين الى واقع ، وإذا أردنا رصد مواقف الإسلاميين عند بداية الثورات سنجد أن هنالك أربعة مواقف وذلك بحسب وضعية الحركة الإسلامية من النظام ومدى المصادمة معه أو المسالمة في كل بلد ، وذلك على النحو التالي :

1.  رفض المشاركة ابتداءً وخاصة في مصر ، حيث رفض الإخوان المشاركة في إضراب 25 يناير 2011 م  الذي كان هو المفجر للثورة المصرية ، ثم السماح للشباب بالمشاركة ، وأخيراً تطور الموقف للمشاركة الكاملة والنزول بثقل في كافة الميادين ، مما كان له الأثر الكبير في دفع عجلة الثورة وتقوية شعبيتها وتعزيز صمودها والمساهمة في تمويلها ، وكان هذا تحديداً موقف ( الإخوان المسلمون ) في مصر مع ما صاحب ذلك من أخطاء أظهرت مدى الارتباك في صفوف الإخوان في التعاطي مع الثورة ، وخاصة الحوار الذي دار بين المعارضة  - ومنها الإخوان - والنظام ، وكانت الثورة على أشدها ، والشارع يتطلع إلى إسقاط النظام ويرفع من سقوف مطالبه ، فكانت تلك من المحطات المستغربة . وإذا كان هذا هو موقف الإخوان في مصر فإن المواقف السلفية عموماً لم تكن أحسن حالاً من الإخوان إن لم تكن أسوأ وأبطأ في مجملها ، والسبب في ذلك أن التيار السلفي عموماً من أكثر التيارات صدمة من الثورات في بدايتها لأنها جاءت بالنسبة لهم في منطقة الفراغ الفكري والسياسي ، حيث تقوم المنظومة الفقهية التاريخية على حدية الطاعة للإمام أو الخروج المسلح عليه ، وليس للتغيير السلمي وآلياته ووسائله مساحة في الرؤية الإسلامية السائدة ولذا كانت مواقف التيار السلفي في مصر مرتبكة ومتباينة على النحو التالي :

-    رفض الثورة عموماً لأنها من الفتنة  والتي تتمحور كمفهوم حول فكرة ( تقديم الأمن والاستقرار على الحرية والعدالة ) ، وتمثل هذا الموقف في الدعوة السلفية في الإسكندرية وجماعة أنصار السنة المحمدية وبعض الرموز من الدعاة السلفيين المستقلين .

-    الصمت و الجمود والتردد في تأييد الثورة ، وذلك لعدم وضوح الرؤية الشرعية والسياسية ، واعتبارها من النوازل التي تحتاج لفتوى من أهل العلم المعتبرين ، ثم اللحاق بالثورة في النهايات ، ومن أبرز هؤلاء الشيخ / أبو اسحاق الحويني الذي ظل صامتاً ولم يبد رأياً واضحاً بالتأييد أو الرفض ، والشيخ / محمد حسان الذي اتسم موقفه بالتردد منذ البداية لكنه قرر اللحاق مؤخراً بركب الثورة.

-         ومن الجهات التي صمتت طويلاً  الجماعة الإسلامية والتي لم تُصدر طيلة أيام الثورة ( من 25 يناير وحتى تنحي الرئيس) سوى بيان واحد، يدعم ويُشيد بالحوار الذي جرى بعد تاريخ 4 فبراير بين نائب الرئيس عمر سليمان وقوى المعارضة واعتبر البيان  ذلك بادرة إيجابيّة .

-    التأييد المبكر للثورة بناء على رؤية شرعية ترى أن الثورات السلمية لا تدخل في باب الخروج المسلح المنهي عنه ، وأبرز رموز هذا الإتجاه هو الشيخ / محمد عبد المقصود ، وهو من رموز السلفية الحركية في القاهرة ، وشكل فيما بعد حزب الأصالة  ، والشيخ / نشأت أحمد ، والشيخ / فوزي السعيد ، وهم من الرموز السلفية وإن كانت هذه الفئة لا تمثل أغلبية كبيرة  إلا أنها مكون من المكونات السلفية .

2.  المشاركة والتصعيد السلمي ضمن الدستور دون رفع سقف المطالبة ابتداءً ، ثم القبول بالتسوية السياسية الإقليمية ، وهذه حالة التجمع اليمني للإصلاح .

3.  المشاركة الكاملة في الحراك الشعبي منذ البداية ـ نسبياً - ، والمساهمة فيه بشكل فعال في كافة مراحله السلمية والمسلحة ، وهذه هي الحالة في كل من ( ليبيا ـ وسوريا ـ وتونس ) ، ولا يعكر على ذلك بعض المواقف الأولية كالتي أبداها مثلاً الشيخ / راشد الغنوشي ، حيث اعتبر حالة الثورة في أيامها الأولى بأنها حالة فشل للمعارضة والنظام ، وقد تم تجاوزهذا الموقف سريعاً .

4.  الرفض الكامل للمشاركة في الحراك الشعبي وإجراء التفاهمات السياسية مع السلطة القائمة ، وهذه الحالة تنطبق على حزب العدالة والتنمية في المغرب .

 

وهنا نلاحظ أن المبادرة والإحجام كانت محكومة بعدة اعتبارات منها : حجم الإنفتاح أو الكبت السياسي في كل بلد ، فالبلدان التي كانت تتوافرفيها مساحة من الحريات والمشاركة تختلف عن تلك التي يسود فيها الكبت والملاحقة للحركة الإسلامية ، ففي الأخيرة كانت الحركات الإسلامية فيها أسرع في المبادرة للمشاركة في الثورة من الأولى ، كما أن الاستهداف الكبير للإسلاميين طوال عقود من الزمن ومواجهتم لوحدهم للآلة الضخمة للدولة وتعرضهم لكافة أساليب القمع  والمطاردة ربما جعلهم أكثر إحجاماً وأقل إقداماً منذ البداية ، وذلك لمزيد من الاطمئنان من أن الهبة هي بالفعل شعبية وليست نخبوية محدودة ، ولا يفوتني هنا أن أشير أن من بين أسباب التردد التراث الفقهي السني المحذر دوماً من  الثورات ( الفتن ) ، وغياب التأصيل الفقهي لصناعة الثورات السلمية ، بالرغم من وجود محطات لحالة من الثورة عند استلاب حق الأمة في بناء نظامها السياسي عن طوع واختيار ، وقد صار ذلك ( مذهب للسلف قديم ) كما عبر بذلك الإمام ابن حجر العسقلاني عليه رحمة الله .

والجدير بالذكر أن هذه المواقف مهمة جداً في تقييم التعاطي السياسي لأداء الإسلاميين بعد نجاح الثورة ، ومدى انسجام المواقف السياسية لاحقاً مع المواقف الأولية ، حيث يؤكد لنا ما سبق من مواقف أن الثورة بالفعل ثورة شعبية ، وأن الإسلاميين أسهموا فيها كغيرهم ، وبالتالي ينبغي أن يكون ذلك أساسأ في المراحل اللاحقة ، وليس لأي طرف الحق في الانفراد برسم المستقبل لوحده حتى لو كان يمتلك الأكثرية الإنتخابية بحكم الترتيبات التنظيمية والخبرة التاريخية والتمويل الميسور ، وهذا يتناسب مع قاعدة ( الغنم بالغرم ) ، ولما كان الجميع شريكاً في الغرم فيجب أن يكون شريكاً كذلك في الغنم.

 

أداء الإسلاميين في المرحلة الانتقالية :

المرحلة الانتقالية هي تلك المرحلة التي تعقب سقوط النظام وتستمر حتى اكتمال المؤسسات الدستورية بناء على الرؤية التي يتم التوافق السياسي عليها بين الثوار ، وهي من أعقد المراحل ، وخاصة إذا كانت الثورة غير مكتملة الأركان (نصف ثورة ونصف انقلاب ) ، كما هو الحال في كل من مصر وتونس ، حيث بقي هناك جزء من النظام السابق يدير دفة البلاد ، فإنه من الصعب القول بأنه سيديرها بناء على رغبات الثوار ، ولكن سيبقى هناك صراع من أجل استكمال الثورة وبناء مؤسساتها ، وسيواجه الثوار محاولات عديدة من القوى التابعة للنظام السابق ، أو ما يسمى بالثورة المضادة ،

ولذلك فإن طبيعة المرحلة الانتقالية كما يقول عزمي بشارة في مقاله (تونسة العرب ):

( لا تتسم بالوضوح ، فهي ليست انتقالاً من الأسود إلى الأبيض ، ولكن وجهة التطور واضحة ، يضعف نفوذ النخب القديمة ، وتتقدم نخب جديدة، ويفتح مجال واسع للانتهازيين، لا مساومة في حسم نهاية نظام الاستبداد السابق، ولكن يدور صراع وتفاوض واتفاقيات بين القوى المختلفة على طبيعة النظام القادم ).

 والتحدي الأساس في المرحلة الانتقالية - دائما - هو استكمال الثورة بالمحافظة على مكوناتها ، ومنع أو تقليل الاستقطابات الجانبية بين مكوناتها المختلفة  ، وإن الالتزام بالعمل التّشَاركي والتوافقي مع أطياف الثورة كافة يحصنها ـ ويبقي على زخمها -  فضلا على أنه يهيئ للاستقرار الداخلي المفضي لإعادة بناء الدولة وفق القانون والمؤسسات .

ويمكن تقييم أداء الإسلاميين  في هذه المرحلة من خلال الخطاب السياسي والممارسة العملية إلى :

الخطاب السياسي  :

 الخطاب السياسي  هو : مدونة خطابية مكونة من بنيات معقدة تشكلها الدلالة اللغوية تعبيراً عن الآراء واقتراح الأفكار والمواقف حول القضايا السياسية من قبيل شكل الحكم واقتسام السلطة والفصل بين أنواعها...، ويعتبر الخطاب السياسي خطابا إقناعياً يهدف إلى حمل المخاطب على القبول والتسليم بصدقية الدعوى عن طريق توظيف الحجج والبراهين ، وتتوقف مصداقيته على تطابقه مع الواقع ، ويفقد مصداقيته وهدفه إذا كان بعيداً او مجافياً للواقع ، وبالتالي  فكل خطاب يتأسس على مجموعة من المفاهيم التي تشكل مادتة الفكرية الحية، ويقوم على ثقافة تعتبر دعامة ضرورية لكل برنامج أو مشروع تقافي أوسياسي.. ، ولكل خطاب تصورات قد تبلغ مرتبة البناء المعرفي والنظري أو تبقى مجرد مواقف أو برامج محدودة ، وأما لغته فترتبط بشكل وثيق بالمستوى الفكري للشرائح الاجتماعية التي تؤمن بها أو تروج لها أو تدافع عنها .

 

والناظر للخطاب السياسي  للحركات الإسلامية يتبدى له أنه خطاب يعود في جذوره الفكرية  لما أسماه الدكتور / حاكم المطيري – بالخطاب المؤول الذي تشكلت معالمه خلال التجربة التاريخية للمسلمين ، وهو بالتالي ربما عانى كثيراً في هذه المرحلة التي شكلت طفرة سياسية وفكرية بالرغم من المحاولات التي تبذل هنا وهناك للخروج من الإشكالات الفكرية والسياسية التي يشكلها ذاك الخطاب والتي - غالباً- لا تقف على أرضية معرفية صلبة ورؤية شرعية وفكرية متماسكة ، وبالتالي يعتبر الخطاب السياسي الراهن خطاب معالجات آنية ، وربما فهم  من قبل الآخر- الفكري والسياسي  ـ المتتبع والراصد لخطاب الحركة الإسلامية ما قبل حالة الربيع العربي على أنه نوع من الانتهازية السياسية ، ويمكن القول أن حركة النهضة في تونس تعد استثناء من ذلك لما اتسمت به من خطاب محدد وواضح إزاء العديد من القضايا والمشكلات السياسية بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع خطابها السياسي ، ومع ذلك يمكن تسجيل النقاط التالية على الخطاب السياسي للجماعات الإسلامية في دول الربيع العرب :

 

1-  من حيث المبدأ لا إشكال في الخطاب السياسي المطروح من التيارات الإسلامية المختلفة , فهو من  حيث المضمون خطاب عقلاني توافقي ، ومطمئن داخليا وخارجيا ، وخاصة الشعار الذي رفعته بعض القوى الإسلامية ( المشاركة لا المغالبة) هو الشعار الأنسب في مرحلة استكمال الثورة لو تم الالتزام به .

2-  القوى السياسية الإسلامية ـ غالباً - قدمت برنامجا انتخابيا ، يستخدم لغة الممكن والمتاح ، وملئ بمفردات : (التوافق ، الحوار، المصالح ، المشاركة), وهو ما يحسب للتيارالإسلامي .

3-  الواجهات الحزبية خلت من لفظة إسلامي - في الغالب - (الحرية والعدالة) , (النور) ، ( النهضة ) ، كدلالات سياسية مهمة في هذه المرحلة ، وفي ذات السياق يمكن قراءة الشعارات السياسية المرفوعة مثل شعار الإخوان الجديد (نحمل الخير لمصر) بدلاً عن شعارهم العتيد ( الاسلام هو الحل )  .

4-  على المستوى الخارجي ( إقليميا ودولياً ) وخصوصاً على صعيد التسوية السلمية مع إسرائيل ( معاهدة السلام ) وهي الأهم , أعلن الخطاب وفاءه  بالالتزامات الإقليمية والدولية ، حتى لو فهم ذلك – أنه خطاب تقية ، إلى أن يتم ترتيب البيت الداخلي وتثبيت الأقدام ، إلا أن ذلك مما يشير لوعي الإسلاميين بطبيعة الثورة وأولوياتها وحاجتها لمراعاة واقع الأمة وقدراتها مع أهمية عدم الإفراط في تطمين الغرب وإسرائيل بشأن المعاهدات , لأن الإفراط من شأنه أن يزرع الشك لدى الظهير الشعبي الذي يساند التيارالإسلامي .

5-  ويبدو من خلال الخطاب السياسي المعلن أنه قد تبدل من خطاب احتجاجي ومعارض للنظم الدكتاتورية إلى خطاب يهتم بمنطق الدولة ، واحتياجات الجمهور ، ويريد تحقيق مقاصد الإسلام الكبرى ، وتندرج تلك المقاصد ضمن مفهوم الكليات بتعبير الشاطبي في «كتاب الموافقات» ، وبالتالي الخطاب السياسي الراهن هو أقرب للإصلاح المتدرج منه إلى الخطاب الثوري المصادم .

6-     يرتكز الخطاب السياسي الراهن على القطرية واعتبارها نقطة الانطلاق لبناء الأمة واستعادة مجدها .

7-  استطاع التيار الإسلامي أن يستثمر في مفردات خطابه السياسي بالمظلومية التاريخية لهذا التيار ، ومواجهته المستمرة للاستبداد ، ومقاومته الدائمة للتبعية الخارجية ، بجانب استفادته من الأخطاء التي ارتكبها الخصوم السياسيون للتيار الإسلامي في كافة المراحل  .

8-  سخر التيار الإسلامي كافة منابره السياسية والدعوية والإجتماعية والإعلامية وغيرها كآليات لتمرير الخطاب السياسي وبلورته مما كان له الأثر الكبير في صناعة الرأي العام  .

 

الممارسة السياسية للإسلاميين :

مما تقدم نلاحظ طبيعة الخطاب السياسي للإسلاميين ومدى عقلانيته ومراعاته للواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي والحرص على إنجاح مشروع الثورة ، وذلك  بتحقيق التوافق السياسي بين كافة قوى الثورة واستنهاض المجتمع بكافة مكوناته لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة والعيش الكريم ، ولكن تبقى المشكلة في مصداقية هذا الخطاب من خلال التطابق مع الواقع عند الممارسة السياسية - مع ملاحظة الاختلافات بين تجربة وأخرى ، فكيف كان الأداء في الواقع ؟ هذا ما يمكن تتبعه في النقاط التالية :

 

1.   أثبت التيار الإسلامي قدرته على الحشد الجماهيري والضبط التنظيمي ، كما لوحظ وبشكل عام تقاربا بين التيارات الاسلامية الأساسية حول القضايا الجوهرية ، والجديد في مصر تحقيق إبداع بصيغة جديدة ( الهيئة الشرعية للحقوق  والإصلاح ) كمرجعية تنسيقية جامعة .

2.   تماسك التيار الاسلامي أتى برئيس منه للرئاسة , وساعد في تجاوز بعض المطبات الأساسية ( إنهاء حكم العسكر ، ورفض تأجيل الاستفتاء وإلغاء الجمعية التأسيسية ، وإعادة كتابة الدستور من جديد )  .

3.   أثبتت التجربة التونسية قدرتها على التوافق بين مكونات الثورة وقواها الأساسية لاستكمال المهام الثورية بدرجة كبيرة ، ونجحت التجربة التونسية بسلاسة وانسيابية في ترتيب البيت التونسي ، وأبرز مظاهر ذلك صمود الإئتلاف الإسلامي الليبرالي حتى الأن ، في الوقت الذي يتحفظ في التعامل مع الحالة السلفية ، ويظهر نحوها نوعا من التشدد على خلاف الحالة المصرية .

4.   أثبت التيار الإسلامي قدرة فائقة على التعبئة السياسية ، كما أفاد من خبراته السابقة في مجال الانتخابات ( دعاية ـ وتنظيماً – وتمويلاً . (

5.   التيار الإسلامي كان من أكثر التيارات حرصاً على المصالح الوطنية العليا ، وذلك بتجنيب البلاد حالة الاحتراب الداخلي في أكثر من بلد ، ويمكن ملاحظة ذلك في الحالة اليمنية بشكل أكبر بالرغم من توفر أسباب اندلاع العنف هناك ، ووجود الاستفزاز المستمر من السلطة للثوار لجرهم للعنف .

ومع هذه النقاط التي تحسب للتيار الإسلامي عموماً إلا أن هناك بعض الملاحظات التي تسجل عليه في النقاط التالية :

1.  تجاهل أهم مطلوبات الثورة وذلك بخلق مناخ صحي للعملية السياسية للانتقال السلس للمرحلة ، وذلك بالتوافق العام بين قوى الثورة على إنهاء مؤسسات النظام السابق وبناء مؤسسات جديدة ، حيث لاحظنا الفراق المبكر للإخوان لقوى الثورة وميادينها والحرص على التميز والظهور بالعقلانية والتفاهم مع المجلس العسكري وإبرام الصفقات معه بعيدأ عن القوى الثورية ، مما أدى إلى أزمة الثقة في وقت مبكر ، وهذا ما أتاح للمجلس العسكري التعامل مع قوى الثورة بشكل متفرق ، مستفيداً من تناقضاتها ، ومعززاً لرؤاه في إدارة المرحلة الإنتقالية ووضع كافة العراقيل أمام قوى الثورة في الوصول لغاياتها ، ولازال الشعب المصري يدفع ثمن تلك المرحلة وسياساتها .

2.  الاختلاف المبكر بين الإسلاميين واللبراليين حول أولوية الدستور أم انتخابات مجلسي الشعب والشورى ، والتي أدت لتعجيل الانتخابات وتأخير الدستور ، وأبرزت التنافس بين قوى الثورة على المجالس قبل استكمال مطلوبات الثورة ، وزادت كذلك من التباعد بين الثوار ، ولم ينتبه الإسلاميون أن السيطرة التشريعية لا تعني شيئا في ظل هيمنة بقايا النظام السابق على المجلس العسكري والمؤسسات القضائية ووسائل الإعلام ، وبالفعل بدأ مسلسل التلاعب بالقوانين واستغلال نفوذ القضاء المسيس ، وكل ذلك في ظل أزمة الثقة السائدة بين مكونات الثورة المختلفة .

3. التناقض مع الخطاب السياسي المعلن في كثير من القضايا ، وخاصة تلك المتعلقة بمدى سيطرة الإسلاميين على مفاصل السلطة ، فمثلاً إعلان الإخوان منذ البداية بعدم الترشح للرئاسة وعدم النزول في أكثر من الثلث في المقاعد التشريعية ، ثم الإنقلاب على ذلك تماماً ، فكان الترشح للرئاسة بعد أن تمت لهم السيطرة على مجلسي الشعب والشورى ، وكان ذلك من أكبر نقاط عدم المصداقية مع الرأى العام والقوى السياسية وأدعى إلى القول بأن ذلك ربما كان ناتجاً عن التفاهمات الخارجية والداخلية مع العسكر تحديداً ، وفيه تناقض صارخ مع الشعار الذي رفعه الإخوان بعد نجاح الثورة مباشرة ( المشاركة لا المغالبة ) ، حيث كان هو الشعار الأنسب في مرحلة إستكمال الثورة ، ولم تكن القوى الإسلامية موفقة يوم أن تخلت عن هذا الشعار وأرادت أن تحصد كل شيئ لوحدها ، متجاهلة رفقاء الميدان في بداية الطريق ( والعجلة من الشيطان(.

4. ظهر الأداء التشريعي للمجالس التي يتمتع فيها الإسلاميون بالأغلبية ضعيفاً ، واستطاع الإعلام أن يشوه صورة الإسلاميين من خلال ذلك بالرغم من المحاولات التي بذلت من المجالس لإصدار حزمة من التشريعات والقوانين لمعالجة القصور في هذا الجانب ، وهنا ظهرت المشكلة الحقيقية في أن الإسلاميين يسيطرون على أغلبية تشريعية من دون أن يكون لهم الحق في تكوين الحكومة ، والتي كان حق تشكيلها للمجلس العسكري فيكون للإسلاميين غرمها وللعسكر غنمها حسب واقع الحال.

5. في الوقت الذي عجزت فيه قوى الثورة عن تقديم مرشح واحد لأسباب عديدة فقد كان من المؤمل أن يكون للإسلاميين مرشح واحد ، ولكن ذلك لم يتيسر مما أتاح الفرصة لعنصر من عناصر النظام السابق وهو أحمد شفيق أن يكون له حضور فاعل ، والتف حوله كافة عناصر النظام السابق وبعض الساخطين على الإسلاميين ، ولكن هذا التحدى أدى لوقوف الكثير من الثوار مع مرشح ( الإخوان ) الدكتور / محمد مرسي وساعد في تشكيل جبهة ثورية في مواجهة ما يسمي بالفلول في فترة الانتخابات ، وبالفعل فاز مرشح الثوار ولكن بفارق أظهر مدى تراجع قوة التيار الإسلامي الانتخابية ، كما أظهر مدى الحاجة لاستكمال الثورة ، وأثبت الشعب المصري وعيه السياسي وقدرته على الممارسة الديموقراطية وذلك من خلال التصويت العقابي ، حيث حصل الاسلاميون على أكثرية مريحة في انتخابات الشعب والشورى ، ولكن صاحبت التجربة بعض الاخطاء السياسية التي أفقدت المواطن المصري الثقة في الإسلاميين ، وخاصة عدم الالتزام بما تعهد به الإخوان المسلمون من عدم الترشح للرئاسة ثم التراجع عن ذلك دون معطيات مقنعة للناخب المصري ، إلى جانب التخلي المبكر عن ميدان التحرير والترتيبات الخاصة مع العسكر ، مما افقد قوى الثورة تماسكها وفاعليتها في تحقيق أهدافها كل ذلك أسهم في التراجع الكبير في التصويت لمرشح حزب العدالة والتنمية ، حيث كان الفارق بينه وبين الفريق أحمد شفيق ضئيلاً بالمقارنة مع وزنهم السياسي في البرلمان ، وفي ذلك رسالة مهمة وهو أنه ليس هنالك شيك على البياض لأي طرف ، بل هنالك رصد ومتابعة وبناء مواقف عملية ثواباً أو عقاباً وبالوسائل الديموقراطية ، وهذا هو جوهر العملية السياسية.

6.انفراد الإسلاميين بوضع الدستور وفرض مواد دستورية بدون التوافق مع الآخرين أفقد الثورة المصرية أهم ميزة لها هي : ( التوافق الوطني العام بين قوى الثورة) ، وبالتالي بدأت بعض مكونات الثورة في تحريض الرأى العام وشحنه ضد الإسلاميين , وهو ما نتج عنه في النهاية وضع شديد الحساسية ، وهنا لا نغفل أن المسألة دخلت في إطار الصراع السياسي والفكري بين التيارات المختلفة ، وارتكب التيار الليبرالي في هذا الصراع أخطاء فادحة استطاع التيار الإسلامي استثمارها لصالحه ، وكانت النتيجة أن ساد مناخ سياسي متوتر ومربك مع ملاحظة تعهد الرئيس بعرض النقاط المختلف عليها على مجلس الشعب المنتخب القادم ، ولكن على الجميع أن يدرك أن كسب المعركة لا يعني بحال كسب الحرب .

7. نحاول في الفقرة التالية تسجيل ملاجظاتنا على الأداء السياسي للرئاسة المصرية في تعاطيها مع الأوضاع السياسية:

  • الخطاب السياسي للرئاسة المصرية يعد خطاب متزن وعقلاني ومطمئن إلى حد ما بالرغم من البالونات التي تطلقها قيادات في الحرية والعدالة بشأن معاهدة كامبديفد واليهود المصريين ، مما يتنافى والخطاب الإسلامي المعهود وطبيعة المسؤولين الرسميين في الدولة .
  • التشكيل الوزاري الأول والثاني فيه مشاركة وتنوع لا بأس به لأهل الخبرة والكفاءة ، وليس فيه احتكار من التيار الإسلامي في تشكيلته ، بالرغم من أنه لم يعر كبير اهتمام للقوى السياسية وأوزانها الواقعية.
  • على صعيد التخطيط الاقتصادي هناك مشاريع استراتيجية ضخمة يمكن أن تحدث طفرة اقتصادية كبيرة ولكن المشكلة أن هذه المشاريع طويلة الأجل لا يحس المواطن بتأثيرها في حياته قريباً ، مما يشكل تحدياً حقيقياً للرئاسة المصرية.
  • المواقف الخارجية للرئاسة المصرية فيها الكثير من التقدم والتطور ، وخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وأحداث غزة في الحرب الأخيرة ، والموقف من إيران وسوريا ، إلى جانب التوجه الإيجابي مع إفريقيا .
  • حققت الرئاسة المصرية بعض الكسب في مطالب الثورة ، وخاصة تنحية الجيش ، وإنجاز الدستور والإجراءات المتعلقة بالنائب العام ، واستكمال مجلس الشورى ومراعاة طبيعة النزاع السياسي في تشكيلة مجلس الشورى ، وإعادة محاكمة قتلة الثوار والمتظاهرين.
  • تحصين الجمعية التأسيسية للخروج من دوامة المرحلة الانتقالية والتي طالت مدتها ودخلت في اللعبة السياسية بين المتنافسين ، وسل فيها سيف القضاء في مواجهة التيار الإسلامي وإن كان ذلك نتيجة لعدم استكمال الثورة كما تقدم .
  • بعض إخفاقات الرئيس مرسي :أحداث قصر الاتحادية . الخلاف السياسى حول الجمعية التأسيسية للدستور .تدهور الاقتصاد المصرى .

الارتباك والتنازلات العديدة التي هزت هيبة الرئاسة . حصول تعثر في معالجة بعض الملفات الحساسة مثل ملف الشهداء وجرحى الثورة .

الخاتمة :

إذا ما أراد للمشروع الإسلامي النجاح في المرحلة القادمة فعليه التركيز على المطالب الأساسية للشعوب وهي: ( الحرية – العدالة – الكرامة – ومحاربة الفقر ) لأنها هي التي تلامس الواقع وتعبر عنه .

 

 إعداد الأستاذ/حسن محمد سلمان

رئيس المؤتمر الإسلامي الإرتري 

13 ـ 14 ربيع الأول 1434هـ

25-26/01/2013


 
29-01-2013
Print this page.
http://www.al-massar.com